أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

409

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

سيبويه « 1 » ، و « فتكونوا » عطف على « تَكْفُرُونَ » والتقدير : ودّوا كفركم فكونكم مستوين معهم في شرعهم . قال الزمخشري : « ولو نصب على جواب التمني لجاز » . وجعل الشيخ « 2 » فيه نظرا من حيث إن النصب في جواب التمني إذا كان التمني بلفظ الفعل يحتاج إلى سماع من العرب ، بل لو جاء لم تتحقّق فيه الجوابية ، لأنّ « ودّ » التي بمعنى التمني متعلقها المصادر لا الذوات ، فإذا نصب الفعل بعد الفاء لم يتعيّن أن تكون فاء جواب ، لاحتمال أن يكون من باب عطف المصدر المقدر على المصدر الملفوظ به فيكون من باب : 1644 - للبس عباءة وتقرّ عيني * . . . « 3 » يعني كأنّ المصدر المفعول ب « يود » ملفوظ به ، والمصدر المقدّر ب « أن » والفعل عطف عليه ، فجعل المصدر المحذوف ملفوظا به في مقابلة المقدّر ب « أن » والفعل ، وإلّا فالمصدر المحذوف ليس ملفوظا به إلا بهذا التأويل المذكور ، بل المنقول أنّ الفعل ينتصب على جواب التمني إذا كان بالحرف نحو « ليت » ، و « لو » و « ألا » إذا أشربتا معنى التمني . وفيما قاله الشيخ نظر ؛ لأن الزمخشري لم يعن بالتمني المفهوم من فعل الودادة ، بل المفهوم من لفظ « لو » المشعرة بالتمني ، وقد جاء النصب في جوابها كقوله : فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ « 4 » ، وقد قدّمت تحقيق هذه المسألة ، فقد ظهر ما قاله الزمخشري من غير توقّف . و « سَواءً » خبر « تكونون » وهو في الأصل مصدر واقع موقع اسم الفاعل بمعنى مستوين ؛ ولذلك وحّد نحو : « رجال عدل » . قوله تعالى : إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ : فيه قولان : أظهرهما : أنه استثناء متصل ، والمستثنى منه قوله « فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ » والمستثنون على هذا قوم كفار ، ومعنى الوصلة هنا الوصلة بالمعاهدة والمهادنة . وقال أبو عبيد : « هو اتصال النسب » . وغلّطه النحاس بأن النسب كان ثابتا بين النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم والصحابة وبين المشركين ، ومع ذلك لم يمنعهم ذلك من قتالهم . والثاني : أنه منقطع - وهو قول أبي مسلم الأصفهاني ، واختيار الراغب - قال أبو مسلم : « لمّا أوجب اللّه الهجرة على كلّ من أسلم استثنى من له عذر فقال : « إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ » وهم قوم قصدوا الهجرة إلى الرسول ونصرته ، وكان بينهم وبين المسلمين عهد فأقاموا عندهم إلى أن يمكّنهم الخلاص ، واستثنى بعد ذلك من صار إلى الرسول وإلى أصحابه لأنه يخاف اللّه فيه ، ولا يقاتل الكفار أيضا لأنهم أقاربه ، أو لأنه يخاف على أولاده الذين هم في أيديهم » ، فعلى هذا القول يكون استثناء منقطعا ، لأن هؤلاء المستثنين لم يدخلوا تحت قوله : « فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ » والمستثنون على هذا مؤمنون . و بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ يجوز أن يكون جملة من مبتدأ وخبر في محل جرّ صفة ل « قَوْمٍ » ، ويجوز أن يكون « بَيْنَكُمْ » وحده صفة ل « قَوْمٍ » ، فيكون في محلّ جر ويتعلّق بمحذوف ، و « مِيثاقٌ » على هذا رفع بالفاعلية ؛ لأنّ الظرف اعتمد على موصوف ، وهذا الوجه أقرب ؛ لأنّ الوصف بالمفرد أصل للوصف بالجملة .

--> ( 1 ) انظر الكتاب ( 1 / 116 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 314 ) . ( 3 ) تقدم . ( 4 ) سورة الشعراء ، الآية ( 102 ) .